قيد النمط : من خارج الصورة

عبد الرحمان - موسيس





من خارج الصورة 





من شاشة التلفاز .
من الأخبار .. أو من برنامج وثائقي ..

( 1 )
قد تطل علينا صورة رجل ينظر الى لوحة في معرض اللوحات الفنية . و تمر تاركة في الذاكرة الوانها فقط . لا شيء أعمق في الصورة من مشهد رجل يقف امام لوحة . ثم تتسلسل الصور في ثوان او اجزاء من الثانية ؛ دون نتعمق في مدلولها . 
- 299.792.458 متر في الثانية .. هذه سرعة الضوء في الفراغ ، والصورة يحملها الضوء ، والعين تلتقط الصور ، و العقل يدركها ، و الانسان يقرر الوقوف عندها او المرور الى ما بعدها .

( 2 )
و الصورة رمز .. وقد قام إيفان بافلوف بتجربة تبين معنى الرمز ، حيث كان يقوم بدق الجرس في كل مرة ينوي فيها تقديم الطعام للكلاب ، وفي مرحلة من مراحل التجربة قام بدق الجرس دون تقديم الطعام ، فلاحظ ان دقة الجرس تسببت في اسالة لعاب الكلاب ، كما يحدث عندما تريد الكلاب ان تأكل . 
قد يحدث هذا للتلميذ مع استاذه القاسي ، حيث يصير هذا الاخير رمزا للالم و القسوة .. او للزوج مع زوجته ، تصير هي رمزا للوم و الصراخ .. والعكس أيضا .
و قد يحدث عندها تعميم للحكم ، فيحكم الرجل على النساء حكم قيمة سلبية ، ويقيسهن على زوجته ، ويعمم التلميذ الحكم على الاساتذة ، ويقيسهم على استاذه . فالانسان بطبعه يصنف الاشياء باعتبار تشابهها . ولذا تجده يصنف الاشياء الى حيوانات ، ونباتات ، و ملابس ، وأجهزة الكترونية وغيرها . 
و كلها رموز ..
لذا قد يشعر بالراحة و السعادة عندما يرى سيارة فاخرة ، فالمسكين يعاني من طول الطريق الى العمل كل يوم .

( 3 )
لنعد الآن الى الرجل الذي يقف أمام اللوحة ؛ في معرض اللوحات الفنية . و لنحاول ان نفك شيفرتها الخارجية ، دون أن ندخل اليها . أعني أن نستخرج مدلولاتها من مكان جلوسنا امام شاشة التلفاز ؛ دون ان نقف بجانب الرجل امام اللوحة .
هي صورة غير عادية ؛ غير ما كانت تظهره النظرة السطحية النمطية . 
هذا هو الرجل السابق ، يرتدي سروال جينز وقميصا ازرقا سماويا ، و يلبس في يده ساعة ذهبية . وفي الاخرى يحمل مافتيح سيارته ، ويضم يديه خلف ظهره وهو يتأمل في اللوحة على الجدار . انها صورة الرجل الذي يحقق اساسياته المادية من الحياة ، من اكل وشرب و مسكن و زوجة .. وقد ارتقى الى مستوى تحقيق الجمال ، وهو ينظر ان كانت اللوحة ان كانت تستحق ان يدفع مقابلها مليون دولار ، ليعلقها على جدار بيته .
مليون دولار ثمن زهيد ، مقارنة بثمن لوحة للرسام الامريكي الراحل سي تومبلي ؛ والتي بيعت ب 70.5 مليون دولار سنة 2015 .

( 4 )
هذه قراءة جديدة للصورة ، غير القراءة النمطية الاولى . ورغم ذلك .. فاننا اذا كنا سنغير نظرتنا الى كل صورة سبق ومررنا عليها دون ان نتوقف عندها قليلا ، فاننا في كل مرة لن نزيد على انشاء نمط جديد لقراءة تلك الصورة ، وتكوين صورة نمطية داخل عقولنا . 
ولكن ذلك ليس بالامر السيء ، فالعقل يحتاج الى ان يسير في نمط معين ، لذلك يبتكر النمط او يختار نمطا يسير عليه ، اعتقادا منه انه صحيح ، أو انه نافع ، وكما يقول ديفيد هيوم : الشخصية نتاج نظام من المبادئ النمطية .

( 5 )
المشكلة ، ان كثرة الشاشات حولنا ؛ تنازعنا حق اختيار النمط الذي يريده كل منا . حيث ان وسائل الاعلام التي تتواصل بصورها مع عقولنا ، قد رسخت عددا من الصور النمطية في أذهاننا ، ولو توقفنا قليلا عندها رفضنا كثيرا منها .
اللحية رمز للشر ، الحجاب رمز للتخلف ، الاخرون عباقرة ونحن متخلفون .. وغيرها من الصور .
ولكن الصورة النمطية ليست دائما تكون سلبية ، لانها ان وافقت الحقيقة فهي اجابية ، جيدة . وانما نقصد من الخروج عن النمط و تغيير للصورة النمطية ، ان نجدد فيها ما يخالف الحقيقة ، او نجددها كليا ، ان لم يكن فيها صواب .
و هناك قصة قصيرة جدا تبين الحدود التي يتسع لها هذا الامر ..

( 6 )


كان يا ما كان ..
مثقفون و مفكرون و كتاب ينادون بالخروج من النمطية ، وهم يستعملون كلمة النمطية .. بنمطية .



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة