الحقيقة بالنسبة لك

عبد الرحمان - موسيس




تفاحة سقطت فخط اسم اسحاق نيوتن في قائمة كبار العلماء .
لكن دراسة انتاجات نيوتن العلمية لم تحول تلاميذ المدارس الا الى اساتذة وموظفين في احسن الاحوال . باستثناء القلة القليلة الذين اصبحوا علماء مثل نيوتن عندما عرفوا الحقيقة .. و لنأخذ هذه كمقدمة .
( 1 )

هل تعلم أن : الوجود وجود .. و العدم عدم ؟
ربما ينزعج البعض من هذه البساطة - فقد ترسخ في الاذهان ان الحقيقة بطبعها معقدة - ، ولكن صبرا فصعود السلم يبدأ من الدرجة الاولى القريبة من الارض .
وندرك الحقيقة بالحواس الخمس ، التي نتمكن بها من معرفة العالم المادي ، وندرك بعقولنا الاشياء المعنوية التي ليس لديها وجود مادي في العالم . الفرق بين الشكولاتة و الحرية ، ان الاولى لها وجود مادي .. و الثانية لها وجود معنوي .
و الادراك ان وافق وجود الموجود وانعدام المنعدم كان حقيقيا ، فالحقيقة وبكل بساطة ادراك موافق لوجود موجود ، او انعدام منعدم .
( 2 )
لكن ، وبشكل غريب نجد من يقول بان الحقيقة نسبية . و كلمة النسبية هذه تحتمل معنيين ، نسبية : " نسبة الى " ، و نسبية : " نسبة من " .
فأما "النسبة الى" وهي الابشع ، فيقصد بها أن الاختلاف حول شيء ما يجعله صحيحا "بالنسبة الى شخص ما " و خاطئا "بالنسبة الى الشخص الاخر" ، ولا احد فيهما خاطئ بل كلاهما مصيبان . هذا ما تعنيه ''النسبة الى''
وهذه مصيبة فكرية في الحقيقة ، لانهم وبدون قصد ، ينفون حقيقة العالم الموجود ، ويقيمون بدلها عالم الافكار . لان الحقيقة كما قلنا تتكون من الوجود و الادراك ، وهم يكتفون بالادراك ليقولوا ان شيئا ما صحيح ، صحة نسبية .
( 3 )
لكن "النسبة من" لها جانب من الصواب ، وذلك اذا اعتبروا ان الحقيقة "احيانا" قد تكون مفرقة بيننا ، اي مع كل منا "نسبة من الحقيقة" . ولكن المشكلة الحقيقة هي ان يقولوا ان الحقيقة نسبية (نسبة من) "دائما" ، لان هذه ال "دائما" تنفي حالتين اخريين تكون عليهما الحقيقة .
فالحقيقة اما ان تكون مع احدنا ، او ليست مع احد منا ، او يكون مع كل منا جزء من الحقيقة . و معرفة هذه الحالات الثلاث تزيد الحذر من الخطأ ، و احترام الاخر ، و قيمةَ الحقيقة في ادراك الانسان .
فقد يختلف شخصان ، وعوض ان يتهم احدهما الاخر بالخطأ يقينا ، يعيد النظر في احتمالية ان يكون مع كل منهما جزء من الحقيقة ، او يكونا مخطئين معا . و هذا ما يصرف النظر عن المخالف الى المختلف حوله ، و طريقة الاختلاف . فيكون اختلافا موضوعيا .
( 4 )
ويزيد ذلك من قيمة الحقيقة في ادراك الانسان ، فهي مطلب عزيز ، ليس سهل المنال ، كما هو الحال لكل الاشياء الثمينة . لكنها ايضا ليست بالصعوبة التي يصورها البعض حتى يكاد يصل بها الى حد الاستحالة ، او يصل بها اليها ، او ينفي وجودها ويقول : ليست ثمة حقيقة .
فهي موجودة حولنا في كل مكان ، ليست في الكتب و المكتبات فقط ، ليست في المدارس و الجامعات فقط . بل في نسمة هواء ، في قطرة مطر ، في مزحة من صديق .. قد تختبئ الحقيقة .
فقط نحتاج ان نتعب قليلا وندقق النظر حتى نتمكن من رؤيتها . مثلما فعل نيوتن عندما سقطت التفاحة ولم يسقط القمر . لقد كانت الحقيقة في التفاحة و القمر ، قبل ان تنتقل الى المدارس و الجامعات .
تعليقات
4 تعليقات
إرسال تعليق
  1. مقالة جميلة رأت الحقيقة من الزاوية الأخلاقية، إلا أن السؤال الآخر و الذي طرحته المدرسة الفرنسية بزعامة مؤسس التفكيكية دريدا يتجلى في ماهية الحقيقة. هل حقا توجد حقيقة؟ يرد دريدا بأن ليس تمت حقيقة لأننا مخلوقات لغوية فالحقيقة لا وجود لها إلا في ادمغتا التي شكلتها اللغة تشكيلا. وهنا نتساءل: كيف يمكننا أن نعرف اننا نعرف ولسنا نتوهم؟ هذا السؤال يحتاج كثيرا من المداد...

    ردحذف
  2. قد اجاب ديكارت في الكوجيطو على هذا السؤال . لكن يمكننا ان نقدم اجابة اخرى بسيطة و واضحة .. و هي اجماع الناس على عدد من الاشياء ... مثل وجود برج ايفل في فرنسا و الاهرامات في مصر و اننا جميعا متشابهون كبشر و الا اذا كنا نتوهم فقط فسيسهل على احدنا ان ينقل الاهرامات الى فرنسا و برج ايفل الى مصر و يمكن ان يحصل اجنحة ويطير في الهواء او يختفي .. لاننا سنكون نتخيل كل ذلك بعقولنا ، لكننا في حياتنا الان لا نجد ذلك يحصل و لا نجد لنا القدرة على فعله .. وهذا هو الفرق بين الافكار و الواقع . وهو دليل على ان العالم موجود و كذا الحقيقة . بارك الله فيك على مرورك

    ردحذف

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة