اذا تخيلنا عملاقا خرافيا، فإن الصورة المبدئية التي تشكلها عقولنا تمتاز بالتجانس والتناسق. وما دامت نابعة من الخيال لا من الذاكرة، فإن العملاق الشاخص في اذهاننا لا يمكن لنصفه السفلي أن يكون قزما، ولا لرأسه أن يكون صغيرا جدا، ولا لذراعيه أن تكونا قصيرتين، بل هو عملاق سليم ليس فيه أي اعاقة.
لكن عندما تتدخل آلة الابداع، يتشوه شكله فيتغير حجم جمجمته ويختلف طول ذراعيه وينمو احد اصابع قدمه ليصير بحجم ساقه. وهنا يبدأ الضحك و الكوميديا والسخرية.
ان هذا العملاق المشوه شبيه جدا بلغتنا العربية اليوم غير ان الابداع بريء من هذا التشويه. لكنني لا اتكلم هنا عن تشوه في بنية اللغة، وإنما اتكلم عن ذاكرة اللغة، تلك التي تختزن المعرفة، عملاقا كانت في الماضي و اليوم أصبحت قزما.
( 2 )
لا شك ان اكثرنا لا يتقن المشي على الحبل، تلك الرياضة الخطرة التي قد تودي بالانسان الى الهلاك اذا فقد توازنه او لعب به الهواء. أي عاقل لن يضع نفسه في مثل هذا الخطر فقط لينال تصيفقات الجمهور، دون أي مقابل حقيقي على ما يفعل. لكننا نحترمها كرياضة لها منافع لجسم الانسان اذا بقيت في حدود معقولة.
لننظر الآن إلى عالم الأفكار، أليس التطرف و الاعتدال شبيها بالسقوط من الحبل أو البقاء عليه؟ إننا نولد وأفكارنا على الحبل تتزن فوقه بالعلم وتزل عنه بالجهل.
وفي حكمنا على الاشياء غالبا ما نميل قليلا ونتطرف، حين نعمم الحكم بالحسن والقبح على شيء ما، ولنأخذ سبيل المثال الدعوة الى تعلم اللغات الأجنبية. ففي بلد حمل الاستعمار اليه لغة من اللغات، لا شك أن أي مفكر يخشى أن على الهوية أن تضيع، سيراقب بحذر تطور انتشار اللغة الجديدة خشية ان تازحم اللغة الأصلية لأهل البلد او تزيحها بشكل نهائي. وسيتحرك بقوة ضد أي دعوة يراها تخدم اللغة الأخرى.. وقد يدفعه حماسه في الدفاع عن لغته الى ان يناضل ضد أي دعوة الى تعلم تلك اللغة، فيسقط من على حبل الاعتدال في نضاله، حتى وان كانت تلك الدعوة دعوة بريئة.
( 3 )
انتابني غضب ذات يوم عندما بحثت عن ترجمة عربية لكتاب فلم أجدها.. يقال أنه أهم كتاب ألف في الفيزياء، إنه كتاب الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية، لمؤلفه اسحاق نيوتن.. استغربت كيف لم يقم اي عربي بترجمة كتاب مهم كهذا. كنت في تلك الفترة مهتما بالقراءة العلمية، وزرت معرض الكتاب لأشتري بعض الكتب، لكنني تهت بين الأروقة وانا لا اجد امامي الا كتب الأدب و الفلسفة والفكر، ولا أثر لكتب العلم .. فعلمت حينها ان العرب زاهدون حقا في المعارف العلمية، ولذلك هم يعيشون خارج عصر العلم وهذا من اهم اسباب التخلف. لنا الحق في أن نقول أن لغتنا هي لغة القرآن الكريم، ولنا الحق في أن نذكر اللغة العربية بكل حسن تتمتع به، ولكننا أيضا يجب أن نقول أننا لم نثري اللغة العربية بكتابة العلوم ولا بترجمتها.
( 4 )
إن من واجبنا اليوم أن نخدم اللغة العربية بمبدئ الاثراء، لتتحول من عملاق قزم، الى عملاق عملاق.


إرسال تعليق