مشروع إثراء: صناعة المنهج - موسيس

عبد الرحمان - موسيس

( 1 )
لنتخيل مضمار تجري فيه مسابقة للجري. تنقل عدسات الكميرا لنا مشاهد ارجل مفتولة العضلات تتحرك بسرعة فائقة فوق ارضية المضمار. ومشاهد وجوه مكفهرة تتصبب عرقا وكأنها تهرب من الموت نحو الحياة. يتغير المشهد كليا حيث تنقل احدى الكميرات صورة لاحد المتسابقين صريعا على الارض ، يلبس ثوبا رياضيا لكنه لايملك جسد رياضي .. تبدو ملامح وجهه مرتاحة كأنه نائم او مغما عليه. الان تنقل الينا صورة من الاعلى حيث تظهر مساحة كبيرة من المضمار ويظهر المتسابق المتهالك كنقطة صغيرة على الشاشة. ثم يظهر باقي المتسابقين منطلقين كالأسهم نحو هدف واحد، يعبرون فوق الجثة الملقاة على الارض غير عابئين بها، هنا تنقل الينا الكميرات مأساة سحق جسد هذا المتسابق تحت اقدام هؤلاء العمالقة العدائين. ينتهي العرض وتظهر شاشة سوداء ثم يظهر سؤال عريض باللون الابيض: هل من سبيل الى تحقيق نهضة عربية؟ 
( 2 )
احدى المشاكل التي تعاني منها المبادرات سواء الفكرية او في اي مجال اخر، انها تفتقر الى المنهج. و في احسن الاحوال لا يكون لها الا منهج ضمني غير واضح. فيقدف بها غياب المنهج الى العبثية او الاندثار . و المنهج اشبه بمضمار السباق حيث ان له نقطة بداية ونقطة نهاية وحدودا على الجانبين و طريقا مستويا او ملتويا و قواعد وقوانين و ربما حواجز احيانا .. و الجهل بعناصر المضمار قد يجعل المتسابق يخرج منه ويبذل قصار جهده وثم لا يصل في الاخير الى نهايته. فالمنهج نظام، وكل نظام له عناصر، و الاخلال بالعناصر يفقد النظام وظيفته.
( 3 )
و للمنهج اربع عناصر اساسية لا يتم الا بوجودها معا، وهي: الهدف و القيم و الحقائق و المبادئ.
-
المجال / الهدف
الهدف هو اول عنصر في المنهج، وهو الغاية الرئيسية التي ينشأ المنهج من اجلها. وهو في نموذج المضمار بمثابة خط النهاية بالنسبة للمتسابقين . فهو الغاية النهائية التي ينشأ من اجلها السباق
-
القيم
و القيم هي جمع كلمة قيمة اي ما له قدر ووزن و نطمح الى تحقيقه كغاية ، فقيم المنهج هي الغايات التي تؤدي الى الهدف . وهي في نموذج المضمار تجاوز الخصم و استمرار الطاقة و الحفاظ على المرتبة الاولى و ما إلى ذلك مما يضمن للمتاسبق الوصول اولا الى نقطة النهاية
-
الحقائق
وهي دراسة لطبيعة الهدف و ما يرتبط به من قيم و شروط الوصول اليه. و من ذلك المعرفة بعقبات الطريق و حدوده و شروط الوصول و ما الى ذلك. وفي نموذج المضمار هي المعرفة بحدود المضمار و شروط السباق و ان الفائز هو اول الواصلين و انه يمنع سلوك طريق مختصر خارج المضمار و ما شابه ذلك .
-
المبادئ
و هي القواعد النظرية التي توجه السلوك نحو الهدف ، و التي اذا يعتقد انها هي الاشياء الصحيحة التي اذا فعلها الانسان تمكن من تحقيق القيم التي يتمكن بها من تحقيق الهدف. و في نموذج المضمار هي عدم التوقف و التنفس بالطريقة الصحيحة و تجنب كل المشتتاة التي تلهي المتسابق عن السير قدما نحو الفوز وما الى ذلك.
( 4 )
و لتطبيق ما اسلفنا ذكره على مشروعنا يجب ان نحدد اولا هدفا لمشروعنا
-
تحديد الهدف
و هدف مشروع اثراء يمكن تلخيصه في فكرة انتاج افضل نموذج في التفكير. اي ان هدفنا يتعلق بالعقل باعتباره اداة المعرفة الانسانية و توجيه السلوك فهو ميزة الانسان و حليته و اداته التي بها يجلب النفع لذاته وللبشرية و يدفع الضر عن ذاته و عن البشرية
( 5 )
-
تحديد القيم
و من القيم التي يجب ان تتحق من اجل الوصول الى افضل طريقة في التفكير هي : قيمة الصلاح للعقل اي ان يكون الافكير سليما من الاخطاء التي قد تقدف به الى الخرافة و الوهم. و قيمة النمو التي تتيح له فرص الابداع و التفكير بطرق مختلفة. و قيمة الانتاج التي تفعل قدرة الابداع فيه و لاتجعله مجرد خزانة للمعارف. وقيمة التلاؤم المستمر مع العصر حيث تجعله متمكننا من التغير باستمرار لانتاج منافع معاصرة لا مستقبلية و لا فات عصرها. و قيمة الوجود حيث يستمر العقل في مساره التصاعدي و لا يرجع الى تخلفه وجهله وخرافته.
( 6 )
-
عرض الحقائق
و كل قيمة من قيم منهجنا الا ولها حقائق ترتبط بها، يجب علينا ان نعرف اكبر كم من الحقائق عنها لنتمكن من تحويلها الى اكبر عدد من المبادئ نسير عليه
فقيمة الصلاح الفكري: يجب ان نعرف عنها انها مصابة بأمراض فكرية كثيرة يمكننا ان نقسمها الى ثلاث انواع اساسية و هي الامراض الجهلية و الامراض الوهمية و الامراض العطافية .. فالجهل يسبب الوقوع في الحفر و الوهم يسبب السعي نحو السراب اما العاطفية فهي غايب العقل و انتصار الهوى
وقيمة النمو الفكري: لا تعاني فقط من الضئالة المعرفية بل انها مصابة بداء الجهل بالجهل اي عدم المعرفة بمرض الجهل الذي ينهش في عقولنا ولهذا نرى زهدا في المعرفة و طلب العلم و الحقيقة فالذي لا يعي بجوعه لن يبحث عن الطعام و الذي لا يعي بمرضه لن يبحث عن الدواء .
و قيمة الانتاج الفكري: ان اساس الابداع هو المعرفة ولا يكون الابداع من الجاهل الا ضربة حظ و ما دام الحظ ناذرا و لا يمكننا التحكم في وقت حدوثه فاننا لا يمكننا ان نعتمد عليه ابدا .. ولذلك يلزمنا ان اردنا ان نبدع انتاجا فكريا ان نشحن العقل اولا بالمعارف الصحيحة فلايمكننا تخيل ابداع من دون معرفة كما لا يمكننا تخيل انتاج بدون مواد اولية
وقيمة التلاؤم مع العصر: لأن الابداع الذي لم تعد الحاجة اليه او لم تنشأ الحاجة اليه بعد لا قيمة له في الحاضر الا بقدر ما للأثر البالي من قيمة او ما للمشروع المستقبلي من قيمة فيفقد قيمته في زمن الحاضر حتى وان احتفظ بها في الماضي او المستقبل .
و قيمة الوجود الفكري: اذ السلامة الفكرية تتأذى وتخذش وتمرض و تموت حتى يخرج العقل من نور العلم الى ظلمات الجهل .
( 7 )
و من القيم التي هي الغايات التي يجب ان تحقق و تصان الى المبادئ التي تحاول ان تحقق القيم و تحافظ عليها.
يمكننا ان نحصي انواع المبادئ التي تخدم هدف مشروع اثراء في خمس مبادئ وهي : الاصلاح و التنمية و التقدم و التجديد و الصيانة
_
الاصلاح
فالاصلاح يعني ان نخلص العقل من كل اخطاء التفكير التي تمنعه من الوصول الى الحقيقة و بهذا نحقق قيمة الصلاح الفكري المعرضة لامراض الجهل و الوهم و العاطفية
_
التنمية
و التنمية تعني ان نملأ العقل بكم كبير من المعارف التي تنمي مقدرته على الوصول الى الحقيقة و بهذا نخدم قيمة النمو الفكري المهددة بالتباطؤ او التوقف و التخلف
_
التقدم
و يعني التقدم ان ندفعه نحو ابداع لم يسبق اليه و تحقيق انتاج معرفي جديد و بهذا نخدم قيمة الانتاج الفكري المهددة بالضياع
_
التجديد
و يعني التجديد ان نجعل التفكير مرنا متغيرا وفق متطلبات الحاضرة لنحقق قيمة التلاؤم مع العصر فالاهم قبل المهم .
_
الصيانة
ام الصيانة فتعني ان نحصي باستمرار الاخطار التي تهدد التفكير و تهدد المبادئ التي تخدم القيم ايضا و بهذا نحقق قيمة وجود التفكير السليم
( 8 )
ان محاولتنا صناعة منهج يسير عليه مشروع اثراء لا تزيد عن كونها هي الاخرى مبادرة فكرية لمدون .. ولذلك يجب ان نضع هذا المشروع في مكانته التي تليق به فهو ان كان مجرد مبادرة لمدون فقد يعتريه كثير من النقص و الخطأ و لذلك فإن الذي يصلحه و يسد ثغراته هو النقد الذي ينبني على اسس سليمة من التفكير
تعليقات
تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. إضافة إلى ماقلت لانتسين الصراع المذهبي/الطائفي التاريخي. فنحن(عامة المسلمين وبعض خاصتهم) نتعارك على قكعة الماضي ومن له حق الماضي. وهذه النقكة يغفلها الجميع. الماضي، لا يمكننا التقدم دون تمحيص وتهذيب لهذا الماضي الذي يجثم على كل نبتة أو شتلة

    ردحذف

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة